أصبح الاقتصاديون محل العديد من الانتقادات، سواء لفشلهم في التنبؤ بالأزمات المالية، أو لمساهمتهم في إرساء قواعد “غير عادلة” للاقتصاد العالمي من خلال ما يفترضونه من نظريات، يرى كثيرون أنها تسهم في زيادة الفجوات الاقتصادية بين مختلف الطبقات.

الاقتصاديون مثل السباكين

ولذلك حاول الاقتصاديان الحائزان على جائزة “نوبل” في الاقتصاد لعام 2019 “أبهيجيت بانيرجي” و”إستير دوفلو”، وهما زوجان أيضًا، عن طريق كتابهما “الاقتصاد الجيد للأوقات السيئة”، تقديم إجابة أو ما يصفونه بـ”الدفاع” عن الاقتصاديين، وكيف يمكن أن يفيد الاقتصاديون في تقليل آثار الأوقات السيئة التي يمر بها الاقتصاد.

ويعتبر الكاتبان الاقتصاديين بمثابة “سباكين” في المجتمع، حيث يعمل هذا الأخير بناء على مزيج من العلم والحدس والخبرة، وهو ما يفعله الاقتصاديون أيضًا، فعندما تكون هناك أزمة مالية تتشكل في الأفق، فإن تعارضًا “منطقيًا” يظهر بين الاقتصاديين حول احتمال اندلاعها وشدتها.

فعلى الرغم من أن البيانات التي يتعامل معها الاقتصاديون واحدة، إلا أن تقدير أهمية كل منها يختلف وفقًا للخبرات التاريخية التي يستند عليها الاقتصادي ذاته، فقد يحذر أحدهم من ركود مقبل بسبب تراجع معدلات ثقة المستهلك، بينما يرى آخر في نمو قطاعات رئيسية للاقتصاد حائلًا دون مثل هذا الركود.

كما يتدخل الحدس والجانب الإنساني بشدة مع الكثير من الاقتصاديين، فإن كان اقتصاديًا مقربًا من صناعة السيارات على سبيل المثال وكانت تعاني من تراجع في الإنتاج، فإن المؤشرات الاقتصادية الكلية قد تصيب الاقتصادي بدرجة أكبر من “التشاؤم” تنعكس على استنتاجاته.

حقائق مزيفة

ولذلك يرى الكاتبان أن الاقتصادي الجيد يجب أن يكون معزولًا عن مجتمعه مثل الموسيقيين والرسامين حينًا، بحيث يستطيع رؤية الأرقام مجردة عن أية تأثيرات نفسية تترك أثرًا عليه هو أو المقربين منه، وعليه أحيانًا الاقتراب من مجتمعه كما لو كان سياسيًا شعبويًا يسعى لحشد الأصوات لحملته الانتخابية، لضمان الوصول إلى “الصوت” الغالب للسواد الأعظم من الناس والذي يؤثر في الاقتصاد.

ويشير الكاتبان إلى أن الكثير من النظريات التي أطلقها اقتصاديون جاءت بسبب “شعورهم بالعظمة” حيث يرون أن ما يطرحونه صحيحٌ ويحاولون تجنب إقحام أية معلومات مناقضة لاعتقاداتهم الرئيسية في أفكارهم، ومن ذلك رؤية “كينز” لحالات احتكار بعينه ولكنه مع ذلك بقي مصرًا على أن الأسواق قادرة على إصلاح نفسها بنفسها.

ويرى الكاتبان أن هناك حاجة ماسة لتفكيك “الحقائق المزيفة” التي يبني عليها الكثير من الاقتصاديين فرضياتهم، ولا سيما في المعلومات حول البشر اقتصاديًا، ومن بينها أن الهجرة في ازدياد، بل في الواقع فإن متوسط الهجرة خلال الأعوام العشرة الأخيرة لا يتعدى 3% من مستوى الهجرة عام 1960 الذي شهد أعلى معدل تم تسجيله في هذا الصدد.

اقتراحات للحل

كما أن الهجرة لا تسهم في زيادة البطالة بين السكان الأصليين لأي دولة كما يعتقد كثيرون، بل ثبت بأكثر من دراسة إسهامها الكبير في سد الفجوات في النظام الاقتصادي للدولة، حتى إن الهجرة غير المشروعة لأوروبا خلال السنوات العشر الأخيرة أسهمت في إبقاء نمو بعض الدول إيجابيًا في ظل تقديم المهاجرين لجهد وافر بسعر زهيد.

بل ويرى الكاتبان أن ما يعتبره كثيرون بمثابة “مسلمات” مثل التجارة الحرة بين الدول يأتي ليحقق فوائد صغيرة، ولكنه يضر بالفقراء، ولا سيما في دول مثل الولايات المتحدة والهند، حيث يعجز فقراء الولايات المتحدة عن العيش بالأجور التي يتلقاها فقراء الصين مثلًا، وبالتالي يعانون من ضعف قدرتهم على التنافس مع العمالة الصينية التي تزدهر بسبب التجارة الحرة.

وهناك حاجة ليصبح الاقتصاد أكثر إيجابية، ومن ذلك تقديم اقتراحات تسهم في جعل الاقتصاد أكثر إنسانية وتوازنًا، حيث أصبحت الفجوة في الدخل في أقصى حد لها منذ نهاية الأزمة المالية العالمية، وذلك باقتراح فرض ضريبة ثروة بنسبة 1% فحسب من ثروات شديدي الثراء.

فمثل هذه النسبة لن تعمل على إحباط النمو العالمي بأية حال، ولن تثير إزعاج هؤلاء الذين يعتمد الساسة على دعمهم لكنها ستسهم في دعم صناديق التقاعد مثلًا، ومؤسسات الحفاظ على البيئة، وغيرها من المؤسسات التي أضحت ضرورية لحفظ التوازن في الاقتصاد العالمي.

ويشيد الكاتبان هنا بمن يصفونهما بـ”الأثرياء المتنورين” أي هؤلاء الذين يقدمون تبرعات كبيرة لتحقيق أهداف تنموية مثل الحفاظ على البيئة ومحاربة الفقر، مشيرين إلى أن هؤلاء يسهمون بالفعل في الإبقاء على “النظام بشكل فعال” ولكن الأزمة أنه يجب تحول الأمر ليصبح إلزاميًا وليس خاضعًا لتقديرات الأثرياء فحسب.

المصدر : أرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تابعنا على