تستعد الصين لإصدار عملتها الرقمية الخاصة خلال فترة تراوح بين ثلاثة أشهر وعام من الآن. وأثارت تلك التصريحات موجة من التساؤلات حول الأسباب، التي تدفع ثاني أكبر اقتصاد عالمي إلى الإقدام على هذه الخطوة التي يراها كثيرون بأنها جزء من الحرب التجارية الدائرة رحاها بين بكين وواشنطن.

وارتبطت تلك التساؤلات بنقاش حول تأثير الخطوة الصينية على وضعية الدولار الأمريكي في المنظومة المالية العالمية؟ بل وانعكاس العملة الافتراضية الصينية على النظام المالي الدولي ككل؟ وهل ستفتح تلك الخطوة الصينية الباب لمشهد اقتصادي تتدافع فيه الدول لإصدار عملاتها الرقمية الخاصة؟ أم أن العملة الصينية المرتقبة جزء من صراع صيني- أمريكي في مجال التكنولوجيا، للهيمنة على المستقبل، ولن يقتنع كثيرون بالمشاركة فيه؟

ويتسع نطاق التساؤلات ويمتد لمعرفة رد الفعل الأمريكي تجاه العملة الرقمية الصينية؟ وطبيعة التدابير التي يمكن لواشنطن اتخاذها للحد من انتشار تلك العملة؟

وخلال اجتماع للحزب الحاكم الصيني الشهر الماضي، أعرب الرئيس الصيني شي جين بينج عن دعمه التام لتكنولوجيا سلسلة الكتل المستخدمة في توليد العملات الرقمية، ورغم أنه لم يشر في الاجتماع للعملات الرقمية، إلا أن وسائل إعلام رسمية أعلنت أنه صرح خلال الاجتماع بأن بلاده تتطلع إلى أخذ زمام المبادرة في مجال التكنولوجيا.

وحول أسباب التسارع الصيني في الاهتمام بالعملات الافتراضية، يعتقد هارفي آكتون، نائب رئيس اللجنة المالية لبنك إنجلترا سابقا، أنه “خلال شهر حزيران (يونيو) الماضي كشفت شركة فيسبوك عملاق مواقع التواصل الاجتماعي عن خطتها لمشروع إطلاق عملة افتراضية باسم ليبرا، وقد أثار هذا جدلا خاصة بين الأوروبيين، وتعرضت خطة “فيسبوك” للانتقاد لإمكانية أن يؤثر ذلك في الخصوصية، ومع تراجع “فيسبوك” عن خطتها بهذا الشأن، يعتقد الصينيون أن الطريق بات مهيأ لهم لإطلاق عملتهم”.

ويضيف لـ “الاقتصادية”: “علينا أن نتذكر أن إحدى الحجج الرئيسة التي استخدمها مارك زوكربيرج مؤسس “فيسبوك” أمام جلسة استماع صاخبة في الكونجرس بشأن مساعيه لإطلاق عملة رقمية، هي أن الصين ستطور عملة قبل الولايات المتحدة، وستحل محل الدولار كعملة مهيمنة على الاقتصاد العالمي”.

وأشار آكتون إلى أن “الأهم هو أن تلك الخطوة الصينية تنسجم مع جهود الرئيس الصيني في تسريع مشروع الحزام والطريق، وطرح بكين عملتها الافتراضية يعني زيادة ضخمة في قدرتها على إقراض عديد من الدول في آسيا وأوروبا وإفريقيا، التي ترغب في أن تكون جزءا من هذا المشروع، فإطلاق هذه العملة يعني أن الصين بات لديها عملتان أحدهما اليوان، الذي يتم التعامل به، والآخر يمكن أن نصفه باليوان الافتراضي، ومن ثم فإن إجمالي قدرة البنك المركزي الصيني على إقراض الدول الأخرى ستكون أكبر”.

ربما تكون الرغبة الصينية في إصدار عملاتها الرقمية جزءا من سعي الحكومة للحفاظ على سيطرتها على معروض النقود، ومراقبة وتنظيم توزيع رؤوس الأموال، خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن الصين يوجد لديها نظام دفع رقمي للمشتريات ضخم للغاية وفعال أيضا، وهو ما يعني أن الأسواق المحلية والتجارة الإلكترونية في الصين سيكون لديها قدرة سريعة على التكيف مع العملة الافتراضية الجديدة أيضا.

وبذلك، فإن العملة الافتراضية الصينية ستحسن في جزء منها كفاءة النظام المالي الصيني، وتخفض نفقات التشغيل، وستتيح لسلطات الرقابة المالية تتبع تدفقات الأموال بطرق أكثر سهولة.

إلا أنه لا يمكن استبعاد أن تكون تلك العملة جزءا من الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، فصراع العملات جزء لا يتجزأ من صراع أشمل بين العملاقين الصيني والأمريكي.

الدكتورة جاكي آندرسون، أستاذة النقود والبنوك في مدرسة لندن للتجارة، لا تعتقد أن “الصراع سيسفر عن فوز العملة الرقمية على الدولار الأمريكي، فالدولار لا يزال في المقدمة إلى حد ما، لكن الخطوة الصينية دعوة للولايات المتحدة ولحكومات العالم للاستيقاظ لتراقب عن كثب التحول الرقمي الجاري في المنظومة المالية الدولية، فالمفاهيم التقليدية لفتح حساب عن طريق التوجه للبنك في طريقها للانقراض خلال عقد من الزمن في أفضل تقدير”.

وتضيف لـ”الاقتصادية”، أن خطورة العملة الرقمية الصينية تكمن في أنها تمثل رسالة إنذار لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بضرورة أن يأخذ على محمل الجد حركة الأموال في نسق رقمي، لأنه بمجرد أن تثبت العملة الصينية جدارتها، وتمتلك الجاذبية الضرورية للتعامل بها في الأسواق، فسيكون الاقتصاد الدولي والنظام المالي العالمي أمام واقع جديد.

الإقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على